فصل: الآية رقم ‏(‏42 ‏:‏ 44‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏38 ‏:‏ 41‏)‏

‏{‏- هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ‏.‏ فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ‏.‏ قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء ‏.‏ قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ‏}‏

لما رأى زكريا عليه السلام أن اللّه يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخاً كبيراً قد وهن منه العظم، واشتعل الرأس شيباً، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقراً، ولكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفياً، وقال‏:‏ ‏{‏رب هب لي من لدنك‏}‏ أي من عندك ‏{‏ذرية طيبة‏}‏ أي ولداً صالحاً ‏{‏إنك سميع الدعاء‏}‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب‏}‏ أي خاطبته الملائكة شفاهاً خطاباً أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته، ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة ‏{‏أن اللّه يبشرك بيحيى‏}‏ أي يولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى‏.‏ قال قتادة‏:‏ إنما سمي يحيى لأن اللّه أحياه بالإيمان، وقوله ‏{‏مصدقاً بكلمة من اللّه‏}‏ روى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية‏:‏ ‏{‏مصدقاً بكلمة من اللّه‏}‏ أي بعيسى بن مريم، وقال الربيع بن أنس‏:‏ هو أول من صدق بعيسى بن مريم، وقال ابن جريج‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ كان يحيى وعيسى ابني خالى، وكانت أم يحيى تقول لمريم‏:‏ إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك فذلك تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى وكلمة اللّه عيسى، وهو أكبر من عيسى عليه السلام وهكذا قال السدي أيضاً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسيداً‏}‏ قال أبو العالية حليماً، وقال قتادة‏:‏ سيداً في العلم والعبادة، وقال ابن عباس‏:‏ السيد الحليم التقي، وقال ابن المسيب‏:‏ هو الفقيه العالم، وقال عطية‏:‏ السيد في خُلُقه ودينه، وقال ابن زيد‏:‏ هو الشريف، وقال مجاهد‏:‏ هو الكريم على اللّه عز وجل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحصوراً‏}‏ روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد أنهم قالوا‏:‏ الذي لا يأتي النساء، وعن أبي العالية والربيع بن أنس‏:‏ هو الذي لا يولد له ولا ماء له، وعن عبد اللّه بن عمروا بن العاص يقول‏:‏ ليس أحد من خلق اللّه لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم قرأ سعيد ‏{‏وسيداً وحصوراً‏}‏ ثم أخذ شيئاً من الأرض فقال‏:‏ الحصور من كان ذكره مثل ذا‏.‏

وقد قال‏(‏ القاضي عياض‏)‏ في كتابه ‏(‏الشفاء‏)‏ اعلم أن ثناء اللّه تعالى على يحيى أنه كان حصورا ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوباً، أو لا ذَكَر له، بل قد أنكر هذا حذَاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا‏:‏ هذه نقيصة وعيب لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصور عنها، وقيل‏:‏ مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل‏:‏ ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها، إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من اللّه عزّ وجلّ كيحيى عليه السلام، ثم هي في حق من قدر عليها - وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه - درجة عليا، وهي درجة نبينا صلى اللّه عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن، وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست من حظوط دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال‏:‏ ‏(‏حبب إليّ من دنياكم‏)‏ [1]‏"‏انظر الشفاء للقاضي عياض فهو كتاب جليل ونفيس‏"‏هذا لفظه والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره‏:‏ أنه معصوم من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال‏:‏ ‏{‏هب لي من لدنك ذرية طيبة‏}‏ كأنه قال ولداً له ذرية ونسل وعقب، واللّه سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونبياً من الصالحين‏}‏ هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، كقوله لأم موسى‏:‏ ‏{‏إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين‏}‏ فلما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر، ‏{‏قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال‏}‏‏:‏ أي الملك، ‏{‏كذلك اللّه يفعل ما يشاء‏}‏ أي هكذا أمر اللّه عظيم لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر، ‏{‏قال رب اجعل لي آية‏}‏ أي علامة استدل بها على وجود الولد مني، ‏{‏قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلى رمزاً‏}‏ أي إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح، كما في قوله‏:‏ ‏{‏ثلاث ليال سوياً‏}‏ ثم أمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏42 ‏:‏ 44‏)‏

‏{‏ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ‏.‏ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ‏.‏ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ‏}‏

هذا إخبار من اللّه تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليها السلام، عن أمر اللّه لهم بذلك أن اللّه قد اصطفاها، أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها، وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، واصطفاها ثانياً مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين، عن رسول اللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط‏)‏ ‏"‏رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة وأخرجه مسلم بنحوه‏"‏وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خوليد‏)‏ ‏"‏رواه الشيخان عن علي بن أبي طالب‏"‏وعن أنَس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏خير نساء العالمين أربع، مريم بن عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول اللّه‏)‏ ‏"‏رواه ابن بمردويه عن أنَس بن مالك‏"‏

وفي البخاري‏:‏ ‏(‏كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام‏)‏ ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع الركوع والسجود، والدأب في العمل لما يريد اللّه بها من الأمر الذي قدره اللّه وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدراين، بما أظهر اللّه فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولداً من غير أب، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا مريم أقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين‏}‏ أما القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وله من في السموات والأرض كل له قانتون‏}‏ وقال مجاهد‏:‏ كانت مريم عليها السلام تقوم حتى تتورم كعباها، والقنوت هو طول الركوع في الصلاة، يعني امتثالاً لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يا مريم اقنتي لربك‏}‏ قال الحسن‏:‏ يعني اعبدي لربك ‏{‏واسجدي واركعي مع الراكعين‏}‏ أي كوني منهم، ثم قال لرسوله بعدما أطلعه على جلية الأمر‏:‏ ‏{‏ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك‏}‏ أي نقصه عليك، ‏{‏وما كنت لديهم‏}‏ أي ما كنا عندهم يا محمد، فتخبرهم عن معاينة عما جرى، بل أطلعك اللّه على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم، حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها وذلك رغبتهم في الأجر‏.‏

قال ابن جرير عن عكرمة‏:‏ ثم خرجت أم مريم بها، يعني بمريم في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام - وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة - فقالت لهم ‏:‏ دونكم هذه النذيرة فإني حررتها، وهي أنثى ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا‏:‏ هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة - وصاحب قرباننا فقال زكريا‏:‏ ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فقالوا‏:‏ لا تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقتروعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها‏.‏ وقد ذكر عكرمة والسدي وقتادة أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك إلى ان يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في جرية الماء فهو كافلها، فألقوا أقالامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال‏:‏ إنه ذهب صاعداً يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيّهم صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى سائر النبيين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏45 ‏:‏ 47‏)‏

‏{‏ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ‏.‏ ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ‏.‏ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ‏}

هذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام، بأنه سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللّه يبشرك بكلمة منه‏}‏ أي بولد يكون وجوده بكلمة من اللّه، أي يقول له كن فيكون، وهذا تفسير قوله‏:‏ ‏{‏مصدقا بكلمة من اللّه‏}‏ كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه ‏{‏اسمه المسيح عيسى ابن مريم‏}‏ أي يكون مشهوراً في الدنيا يعرفه المؤمنون بذلك، وسمي المسيح - قال بعض السلف - ‏:‏ لكثرة سياحته، وقيل‏:‏ لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، وقيل‏:‏ لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي العاهات بريء بإذن اللّه تعالى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عيسى ابن مريم‏}‏ نسبة إلى أمه حيث لا أب له، ‏{‏وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين‏}‏ أي له وجاهة ومكانة عند اللّه في الدنيا بما يوحيه اللّه إليه من الشريعة، وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه اللّه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند اللّه فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله‏:‏ ‏{‏ويكلم الناس في المهد وكهلاً‏}‏ أي يدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي اللّه إليه‏:‏ ‏{‏ومن الصالحين‏}‏ أي في قوله وعمله له علم صحيح وعمل صالح‏.‏ وقال ابن ابي حاتم‏:‏ عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لم يتكلم في المهد إلا ثلاث، عيسى وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر‏)‏ فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن اللّه عزّ وجلّ، قالت في مناجاتها‏:‏ ‏{‏أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر‏}‏‏؟‏ تقول‏:‏ كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغياً حاش للّه‏!‏‏!‏ فقال لها الملك عن اللّه عزّ وجلّ في جواب ذلك السؤال ‏{‏كذلك اللّه يخلف ما يشاء‏}‏ أي هكذا أمرُ اللّه عظيم، لا يعجزه شيء، وصرح ههنا بقوله‏:‏ ‏{‏يخلق ما يشاء‏}‏، ولم يقل يفعل كما في قصة زكريا، بل نص ههنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكذ ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إذا قضى أمراً فإنما يقول له من فيكون‏}‏ أي فلا يتأخر شيئاً، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة كقوله‏:‏ و‏{‏وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر‏}‏ أي إنما نأمر مرة احدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح البصر‏.‏

 الآية رقم ‏(‏48 ‏:‏ 51‏)‏

‏{‏ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ‏.‏ ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ‏.‏ ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ‏.‏ إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ‏}‏

يقول تعالى مخبراً عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى عليه السلام‏:‏ إن اللّه يعلمِّه الكتاب والحكمة، الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة، والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة، والتوراة والإنجيل‏.‏ فالتوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزل على عيسى بن مريم عليهما السلام، وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ورسولاً إلى بني إسرائيل‏}‏ قائلاً لهم‏:‏ ‏{‏إني قد جئتكم بآية من ربكم، أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه‏}‏ وكذلك كان يفعل‏:‏ يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه فيطير عياناً بإذن اللّه عزّ وجلّ الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله، ‏{‏وابرىء الأكمه‏}‏ قيل‏:‏ الأعشى، وقيل‏:‏ الأعمش، وقيل‏:‏ هو الذي يولد أعمى، وهو أشبه لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي ‏{‏والأبرص‏}‏ معروف، ‏{‏أحيي الموتى بإذن الله‏}‏ قال كثير من العلماء‏:‏ بعث اللّه كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى عليه اسلام السحر وتعظيم السحرة، فبعثه اللّه بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحَّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار، انقادوا للإسلام وصاروا من عباد اللّه الأبرار، وأما عيسى عليه السلام فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل أحد إليه أن أن يكون مؤيداً من الذي شرَّع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعثِ من هو في قبره رهينٌ إلى يوم التناد‏؟‏ وكذلك محمد بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاويد الشعراء، فأتاهم بكتاب من اللّه عزّ وجلّ، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتبوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبداً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وما ذاك إلا أن كلام الرب عزّ وجل لا يشبه كلام الخلق أبداً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في يوتكم‏}‏ أي أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغد إن في ذلك كله، ‏{‏لآية لكم‏}‏ أي على صدقي فيما جئتكم به، ‏{‏إن كنتم مؤمنين ومصدقاً لما بين يديَّ من التوراة‏}‏ أي مقرراً لها ومثبتاً، ‏{‏ولأحل لكم بعض الذي حُرِّم عليكم‏}‏ فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال‏:‏ لم ينسخ منها شيئاً، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه‏}‏ واللّه أعلم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وجئتكم بآية من ربكم‏}‏ أي بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم، ‏{‏فاتقوا اللّه وأطيعون، إن اللّه ربي وربكم فاعبدوه‏}‏ أي أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه ‏{‏هذا صراط مستقيم‏.‏ ‏}‏

 الآية رقم ‏(‏52 ‏:‏ 54‏)‏

‏{‏ فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ‏.‏ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ‏.‏ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏فلما أحسَّ عيسى‏}‏ أي استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال، قال‏:‏ ‏{‏من أنصاري إلى اللّه‏}‏‏؟‏ قال مجاهد‏:‏ أي من يتبعني إلى اللّه، وقال سفيان الثوري‏:‏ أي من أنصاري مع اللّه، وقول مجاهد أقرب، والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى اللّه، كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر‏:‏ ‏(‏من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي‏)‏ حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر، رضي اللّه عنهم وأرضاهم‏.‏ وهكذا عيسى بن مريم عليه السلام انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ولهذا قال اللّه تعالى مخبراً عنهم‏:‏ ‏{‏قال الحواريون‏:‏ نحن أنصار اللّه، آمنا باللّه، واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين‏}‏، الحواريون قيل‏:‏ كانوا قصّارين، وقيل سموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل‏:‏ صيادين، والصحيح أن الحواري‏:‏ الناصر كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير رضي اللّه عنه، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لكل نبي حواريّ، وحواريَّ الزبير‏)‏

عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاكتبنا مع الشاهدين‏}‏ قال‏:‏ مع أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم، وهذا إسناد جيد‏.‏ ثم قال تعالى مخبراً عن ملأ بني إسرائيل، فيما هموا به من الفتك بعيسى عليه السلام وإرادته بالسوء والصلب، حين تمالؤا عليه ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان - وكان كافراً - أن هنا رجلاً يضل الناس، ويصدهم عن طاعة الملك، ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك، مما تقلدوه في رقابهم، ورموه به من الكذب، وأنه ولد زنية، حتى استثاروا غضب الملك فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به نجّاه اللّه تعالى من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى اللّه شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل ‏{‏عيسى‏}‏ فأخذوه وأهانوه ووصلبوه ووضعوا على رأسه الشوك وكان هذا من مكر اللّه بهم، فإنه نجّى نبيّه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن اللّه في قلوبهم قسوة وعناداً للحق ملازماً لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏55 ‏:‏ 58‏)‏

‏{‏ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ‏.‏ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ‏.‏ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ‏.‏ ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ‏}‏

اختلف المفسرون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إني متوفيك ورافعك إلي‏}‏، فقال قتادة‏:‏ هذا من المقدم والمؤخر تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ إني متوفيك أي مميتك، وقال وهب بن منبه‏:‏ توفاه اللّه ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه، قال مطر الوراق‏:‏ إني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جرير‏:‏ توفيه هو رفعه‏.‏ وقال الأكثرون‏:‏ المراد بالوفاة ههنا النوم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي يتوفاكم بالليل‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللّه يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها‏}‏ الآية، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول إذا قام من النوم‏:‏ ‏(‏الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا‏)‏ الحديث‏.‏ وعن الحسن أنه قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إني متوفيك‏}‏ يعني وفاة المنام‏:‏ رفعه اللّه في منامه‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومطهرك من الذين كفروا‏}‏ أي برفعي إياك إلى السماء، ‏{‏وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة‏}‏ وهكذا وقع فإن المسيح عليه السلام لما رفعه اللّه إلى السماء، تفرقت أصحابه شيعاً بعده، فمنهم من آمن بما بعثه اللّه به على أنه عبد اللّه ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن اللّه، وآخرون قالوا‏:‏ هو اللّه، وآخرون قالوا‏:‏ هو ثالث ثلاثة وقد حكى اللّه مقالتهم في القرآن وردّ على كل فريق، فاستمروا على ذلك قريباً من ثلثمائة سنة‏.‏

ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين فدخل في دين النصرانية قيل‏:‏ حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل‏:‏ جهلاً منه، إلا أنه بدَّل لهم دين المسيح وحرَّفه وزاد فيه نقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثنتي عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه طائفة الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيده اللّه عليهم لأنه أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفاراً عليهم لعائن اللّه، فلما بعث اللّه محمداً فكان من آمن به يؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، فكانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد صدقوا النبي الأمي العربي خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته مما قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك لكان قد نسخ اللّه شريعة جميع الرسل بما بعث اللّه به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائماً منصوراً ظاهراً على كل دين، فلهذا فتح اللّه لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول وكسروا كسرى وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما وأنفقت في سبيل اللّه، كما أخبرهم بذلك نبيّهم عن ربهم عزّ وجلّ في قوله‏:‏ ‏{‏وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً‏}‏ الآية‏.‏ فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقاً سلبوا النصارى بلاد الشام وألجؤوهم إلى الروم فلجأوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة‏.‏

وقد أخبر الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وسلم أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جداً لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءاً مفرداً، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون* فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين‏}‏، وكذلك فعل بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه أو أطراه من النصارى، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق ‏{‏وما لهم من اللّه من واق‏}‏، ‏{‏وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم‏}‏ أي في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ‏{‏واللّه لا يحب الظالمين‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم‏}‏ أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله تعالى وأوحاه إليك، ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم‏:‏ ‏{‏ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون* ما كان للّه أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون‏}‏ وههنا قال تعالى‏:‏

 الآية رقم ‏(‏59 ‏:‏ 63‏)‏

‏{‏ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ‏.‏ الحق من ربك فلا تكن من الممترين ‏.‏ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ‏.‏ إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ‏.‏ فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ‏}‏

يقول جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏إن مثل عيسى عند اللّه‏}‏ في قدرة اللّه حيث خلقه من غير أب ‏{‏كمثل آدم‏}‏ حيث خلقه من غير أب ولا أم، بل ‏{‏خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون‏}‏ فالذي خلق آدم من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقاً من غير أب فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالإتفاق أن ذلك باطل، فدعواهم في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فساداً، ولكن الرب جلّ جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، خلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم‏:‏ ‏{‏ولنجعله آية للناس‏}‏، وقال ههنا‏:‏ ‏{‏الحق من ربك فلا تكن من الممترين‏}‏ أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال‏!‏ ثم قال تعالى آمراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان‏:‏ ‏{‏فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم‏}‏ أي نحضرهم في حال المباهلة ‏{‏ثم نبتهل‏}‏ أي نلتعن ‏{‏فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين‏}‏ أي منا ومنكم‏.‏

وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران‏:‏ أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوَّة والإلهية، فأنزل اللّه صدر هذه السورة رداً عليهم‏.‏ قال ابن إسحاق في سيرته‏:‏ وقدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفد نصارى من نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب قال - يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم - وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏دعوهم‏)‏، فصلوا إلى المشرق‏.‏ قال‏:‏ فكلّم رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والأيهم - وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم - يقولون‏:‏ هو اللّه، ويقولون‏:‏ هو ولد اللّه، ويقولون‏:‏ هو ثالث ثلاثة، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً، وكذلك النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو اللّه بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص والأسقام ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كله بأمر اللّه‏.‏ وليجعله اللّه آية للناس، ويحتجون في قولهم بأنه ابن اللّه يقولون‏:‏ لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول اللّه تعالى‏:‏ فعلنا، وأمرنا وخلقنا، وقضينا، فيقولون لو كان واحداً ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو عيسى ومريم - تعلى اللّه وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيرا - وفي كل ذلك من قولهم‏:‏ قد نزل القرآن‏.‏

فلما كلمه الحبران قال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أسلما‏)‏ قال‏:‏ قد أسلمنا‏.‏ قال‏(‏ إنكما لم تسلما فأسلما‏)‏ قال‏:‏ بلى، قد أسلمنا قبلك، قال‏:‏ ‏(‏كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما للّه ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير‏)‏، قالا‏:‏ فمن أبوه يا محمد‏؟‏ فصمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنزل اللّه في ذلك من قولهم واختلاف أمهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثماني آية منها‏.‏ ثم تكلم ابن أسحاق على تفسيرها إلى أن قال‏:‏ فلما أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبر من اللّه والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، ثم انصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا‏:‏ يا عبد المسيح ماذا ترى‏؟‏ فقال‏:‏ واللّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للإستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إلف‏؟‏‏؟‏ دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلدكم‏.‏ فأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفانا فيها في أموالنا فإنكم عندنا رضا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين‏)‏ فكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول‏:‏ ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجِّراً، فلما صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه وشماله فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال‏:‏ ‏(‏أخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه‏)‏، قال عمر فذهب بها أبو عبيدة رضي اللّه عنه‏.‏

وقال البخاري، عن حذيفة رضي اللّه عنه قال‏:‏ جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال‏:‏ فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ لا تفعل فواللّه لئن كان نبياً فلاعنَّاه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا‏:‏ إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال‏:‏ ‏(‏لأبعثن معكم رجلاً أميناً، حق أمين‏)‏، فاستشرف لها أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏قم يا أبا عبيدة بن الجراح‏)‏ فلما قام قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏هذا أمين هذه الأمة‏)‏ وفي الحديث عن ابن عباس قال، قال أبو جهل قبّحه اللّه‏:‏ إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته‏.‏ قال، فقال‏:‏ ‏(‏لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي والنسائي، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏"‏

والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع لأن الزهري قال‏:‏ كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر‏}‏ الآية‏.‏ وقال أبو بكر بن مردويه عن جابر‏:‏ قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال‏:‏ فغدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباً وأقرا له بالخراج، قال، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏والذي بعثني بالحق لو قالا‏:‏ لا لأمطر عليهم الوادي ناراً‏)‏ قال جابر‏:‏ وفيهم نزلت‏:‏ ‏{‏ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم‏}‏ ‏"‏رواه ابن مردويه والحاكم في المستدرك ورواه الطيالسي عن الشعبي مرسلاً، قال ابن كثير‏:‏ وهذا أصح‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن هذا لهو القصص الحق‏}‏ أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد، ‏{‏وما من إله إلا اللّه، وإن اللّه لهو العزيز الحكيم* فإن تولوا‏}‏ أي عن هذا إلى غيره، ‏{‏فإن اللّه عليم بالمفسدين‏}‏ أي من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد، واللّه عليم به وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته‏.‏

 الآية رقم ‏(‏64‏)‏

‏{‏ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ‏}‏

هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم، ‏{‏قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة‏}‏، والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال ههنا، ثم وصفها بقوله‏:‏ ‏{‏سواء بيننا وبينكم‏}‏ أي عدل ونَصَف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله‏:‏ ‏{‏أن لا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئاً‏}‏ لا وثناً ولا صليباً ولا صنماً ولا طاغوتاً ولا ناراً ولا شيئاً، بل نفرد العبادة للّه وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت‏}‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللّه‏}‏ قال ابن جريج‏:‏ يعني يطيع بعضنا بعضاً في معصية اللّه، وقال عكرمة‏:‏ يسجد بعضنا لبعض، ‏{‏فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون‏}‏ أي فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه اللّه لكم‏.‏ وقد ذكرنا في شرح البخاري عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر، فسأله عن نسب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن صفته ونعته وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، ثم جيء بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقرأه فإذا فيه‏:‏

‏(‏بسم اللّه الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول اللّه إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، و ‏{‏يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً ارباباً من دون اللّه فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون‏}‏‏)‏

 الآية رقم ‏(‏65 ‏:‏ 68‏)

‏{‏ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ‏.‏ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ‏.‏ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ‏.‏ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ‏}‏

ينكر تبارك وتعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل عليه السلام ودعوى كل طائفة منهم، أنه كان منهم، كما قال ابن عباس رضي اللّه عنه‏:‏ اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار‏:‏ ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى‏:‏ ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل اللّه تعالى ‏{‏يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم‏}‏ الآية‏.‏ أي كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهودياً وقد كان زمنه قبل أن ينزل اللّه التوراة على موسى‏؟‏ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان صرانياً، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر‏؟‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أفلا تعقلون‏}‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم‏}‏‏؟‏ هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر اللّه عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلىعالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون‏}‏‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلما‏}‏ أي متحنفاً عن الشرك قاصداً إلى الإيمان ‏{‏وما كان من المشركين‏}‏ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة‏:‏ ‏{‏وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا‏}‏ الآية، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا واللّه ولي المؤمنين‏}‏ يقول تعالى‏:‏ أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعواه على دينه ‏{‏وهذا النبي‏}‏ يعني محمداً صلى اللّه عليه وسلم والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم‏.‏ عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن لكل نبي ولاية من النبيين وإن وليي منهم - أبي وخليل ربي عزّ وجلّ - ابراهيم عليه السلام‏)‏، ثم قرأ‏:‏ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا‏}‏ ‏"‏أخرجه وكيع في تفسيره‏"‏الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏واللّه ولي المؤمنين‏}‏ أي ولي جميع المؤمنين برسله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏69 ‏:‏ 74‏)‏

‏{‏ ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ‏.‏ يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ‏.‏ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ‏.‏ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ‏.‏ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ‏.‏ يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ‏}‏

يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم، وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم، ثم قال تعالى منكراً عليهم‏:‏ ‏{‏يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات اللّه وأنتم تشهدون‏}‏ أي تعلمون صدقها وتتحققون حقها، ‏{‏يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون‏}‏ أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وأنت تعرفون ذلك وتتحققونه، ‏{‏وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره‏}‏ الآية‏.‏ وهذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتَوَروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسليمن صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم، ليقول الجهلة من الناس إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏لعلهم يرجعون‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يعني يهوداً صلت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار مكراً منهم، ليروا الناس أن قد بدت لهم الضلالة منه بعد أن كانوا اتبعوه، وقال ابن عباس‏:‏ قالت طائفة من أهل الكتاب إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم‏}‏ أي لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قل إن الهدى هدى اللّه‏}‏ أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله صلى اللّه عليه وسلم من الآيات البينات، والدلائل القاطعات والحجج الواضحات، وإن كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد النبي الأمي، في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم‏}‏ يقولون لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلموه منكم، ويساوونكم فيه، يمتازون به عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجوكم به عند ربكم، أي يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم فتقوم به عليكم الدلالة وترتكب الحجة في الدنيا والآخرة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قل إن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء‏}‏ أي الأمور كلها تحت تصرفه وهو المعطي المانع، يمنُّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصرف التام، ويضل من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة البالغة ‏{‏واللّه واسع عليم * يختص برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم‏}‏ أي اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يُحدُّ ولا يوُصف، بما شرف به نبيكم محمداً صلى اللّه عليه وسلم على سائر الأنبياء، وهداكم به إلى أكمل الشرائع‏.‏

 الآية رقم ‏(‏75 ‏:‏ 76‏)‏

‏{‏ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ‏.‏بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ‏}‏

يخبر تعالى عن اليهود بأن منهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الإغترار بهم، فإن منهم ‏{‏من إن تأمنه بقنطار‏}‏ أي من المال ‏{‏يؤده إليك‏}‏ أي وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك، ‏{‏ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً‏}‏ أي بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار، فما فوقه أولى أن لا يؤديه إليك‏.‏ وقوله ‏{‏ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل‏}‏ أي إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون‏:‏ ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب فإن اللّه قد أحلها لنا، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون‏}‏ أي وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوها بهذه الضلالة، فإن اللّه حرّم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بُهت‏.‏ عن أبي صعصعة بن يزيد أن رجلاً سأل ابن عباس، فقال‏:‏ إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن عباس‏:‏ فتقولون ماذا‏؟‏ قال، نقول‏:‏ ليس علينا بذلك بأس، قال‏:‏ هذا كما قال أهل الكتاب‏:‏ ‏{‏ليس علينا في الأميين سبيل‏}‏، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم ‏"‏أخرجه عبد الرزاق عن أبي صعصعة بن يزيد‏"‏وعن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل، قال نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏كذب أعداء اللّه، ما من شيء كان في الجاهلية إلى وهو تحت قدميَّ هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم‏"‏ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏بلى من أوفى بعهده واتقى‏}‏ أي لكن من أوفى بعهده واتقى منكم يا أهل الكتاب‏.‏ اتقى محارم اللّه واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيدهم ‏{‏فإن اللّه يحب المتقين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏77‏)‏

‏{‏ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ‏}

يقول تعالى‏:‏ إن الذي يعتاضون عماعاهدوا اللّه عليه، من اتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم وذكر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة، بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة، ‏{‏أولئك لا خلاق لهم في الآخرة‏}‏ أي لا نصيب لهم فيها ولا حظ لهم منها، ‏{‏ولا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم يوم القيامة‏}‏ أي برحمة منه لهم، يعني لا يكلمهم اللّه كلام لطف بهم ولا ينظر إليهم بعين الرحمة، ‏{‏ولا يزكيهم‏}‏ أي من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار، ‏{‏ولهم عذاب إليم‏}‏، وقد وردت  أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر‏.‏

 الحديث الأول عن أبي ذر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم‏)‏، قلت‏:‏ يا رسول اللّه من هم‏؟‏ خسروا وخابوا، قال‏:‏ وأعاده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث مرات قال‏:‏ ‏(‏المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان‏)‏

رواه أحمد ومسلم ‏,‏اصحاب السنن‏"‏

 الحديث الثاني‏:‏ عن عدي بن عميرة الكِندي قال‏:‏ خاصم رجل من كِنْدة يُقال له امرؤ القيس بن عامر رجلاً من حضرموت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أرض، فقضى على الحضرمي بالبّينة فلم يكن له بيّنة، فقضى على امرىء القيس باليمين، فقال الحضرمي‏:‏ أمكنته من اليمين يا رسول اللّه‏؟‏ ذهبت ورب الكعبة أرضي، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي اللّه عزّ وجلّ وهو عليه غضبان‏)‏، وتلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏إن الذين يشترون بعهد اللّه وأيمانهم ثمناً قليلاً‏}‏ فقال امرؤ القيس‏:‏ ماذا لمن تركها يا رسول اللّه ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏الجنة‏)‏ قال‏:‏ فاشهد أني قد تركتها له كلها ‏"‏رواه أحمد والنسائي‏"‏

 الحديث الثالث‏:‏ عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق لقي اللّه وهو عليه غضبان‏)‏، قال‏:‏ فجاء الأشعث بن قيس فقال‏:‏ ما يحدثكم أبو عبد الرحمن‏؟‏ فحدثناه فقال‏:‏ كان فيّ هذا الحديث، خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في بئر كانت لي في يده فجحدني، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه‏)‏، قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق لقي اللّه وهو عليه غضبان‏)‏، قال‏:‏ وقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية‏:‏ ‏{‏إن الذين يشترون بعهد اللّه وأيمانهم ثمناً قليلاً‏}‏ ‏"‏رواه أحمد‏"‏

 الحديث الرابع قال أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنَس عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن للّه تعالى عباداً لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم قيل‏:‏ ومن أولئك يا رسول اللّه ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏متبرىء من والديه راغب عنهما، ومتبرىء من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم تبرأ منهم‏)‏

 الحديث الخامس‏:‏ عن عبد اللّه بن أبي أوفى، أن رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف باللّه لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏إن الذين يشترون بعهد اللّه وايمانهم ثمناً قليلاً‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم ورواه البخاري من غير وجه عن العوَّام‏"‏الآية‏.‏

 الحديث السادس

‏:‏ عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة - بعد العصر - يعني كاذباً، ورجل بايع إماماً فإن أعطاه وفى له وإن لم يعطه لم يف له‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏78‏)‏

‏{‏ وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ‏}‏

يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن اللّه، أن منهم فريقاً يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام اللّه ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنهم في كتاب اللّه كذلك، وينسبونه إلى اللّه وهو كذب على اللّه، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون‏}‏، قال مجاهد والحسن‏:‏ ‏{‏يلوون ألسنتهم بالكتاب‏}‏ يحرفونه، وهكذا روى البخاري عن ابن عباس أنهم يحرفون ويزيلون، وليس أحد من خلق اللّه يزيل لفظ كتاب من كتب اللّه، لكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏79 ‏:‏ 80‏)‏

‏{‏ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ‏.‏ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ‏}‏

عن ابن عباس قال، قال أبو رافع القرظي‏:‏ حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام‏:‏ أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم‏؟‏ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس‏:‏ أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏معاذ اللّه أن نعبد غير اللّه، أو أن نأمر بعبادة غير اللّه، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني‏)‏، أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه في ذلك من قولهما‏:‏ ‏{‏ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب والحكم والنبوة - إلى قوله - بعد إذ أنتم مسلمون‏}‏ ‏"‏ذكره محمد بن إسحاق‏"‏أي ما ينبغي لبشر آتاه اللّه الكتاب والحكمة والنبوة، أن يقول للناس اعبدوني من دون اللّه، أي مع اللّه، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى لهذا قال الحسن البصري‏:‏ لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال‏:‏ وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضاً، يعني أهل الكتاب كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه‏}‏ الآية‏.‏ وفي المسند أن عدي بن حاتم قال‏:‏ يا رسول اللّه، ما عبدوهم، قال‏:‏ ‏(‏بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم‏)‏، فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال، يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين‏.‏

فالرسل، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين اللّه وبين خلقه، في أداء ما حملوه من الرسالة، وإبلاغ الأمانة فقاموا بذلك أتم القيام ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون‏}‏ أي ولكن يقول الرسول للناس‏:‏ كونوا ربانيين، قال ابن عباس‏:‏ أي حكماء علماء حلماء، وقال الحسن‏:‏ فقهاء، وعن الحسن أيضاً‏:‏ يعني أهل عبادة وأهل تقوى، وقال الضحاك في قوله‏:‏ ‏{‏بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون‏}‏ حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً، تَعْلمون‏:‏ أي تفهمون معناه، وقرىء تعلّمون بالتشديد من التعليم، ‏{‏وبما كنتم تدرسون‏}‏ تحفظون ألفاظه، ثم قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً‏}‏ أي ولا يأمركم بعبادة أحد غير اللّه، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، ‏{‏ايامركُم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون‏}‏‏؟‏ أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير اللّه، ومن دعا إلى عبادة غير اللّه فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فعبدون‏}‏، وقال‏:‏ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون اللّه آلهة يعبدون‏}‏‏؟‏ وقال إخباراً عن الملائكة‏:‏ ‏{‏ومن يقل منهم إني إله من دونه فذكل نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏81 ‏:‏ 82‏)‏

‏{‏ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ‏.‏ فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ‏}

يخبر تعلاى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه السلام إلىعيسى عليه السلام، مهما آتى اللّه أحدهم من كتاب وحمكة وبلغ أي مبلغ، ثم جاء رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدس‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة‏}‏ أي لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة، ‏{‏ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري‏}‏، قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ يعني عهدي، وقال محمد بن إسحاق ‏{‏إصري‏}‏ أي ميثاقي الشديد المؤكد، ‏{‏قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، فمن تولى بعد ذلك‏}‏ أي عن هذا العهد والميثاق ‏{‏فأولئك هم الفاسقون‏}‏، قال علي وابن عباس رضي اللّه عنهما‏:‏ ما بعث اللّه نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وقال الحسن البصري وقتادة‏:‏ أخذ اللّه ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه بل يستلزمه ويقتضيه، وقد قال الإمام أحمد‏:‏ جاء عمر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه إني أمرت بأخ لي يهودي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك‏؟‏ قال‏:‏ فتغير وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال عبد اللّه بن ثابت قلت له‏:‏ ألا ترى ما بوجه رسول اللّه ‏!‏ فقال عمر‏:‏ رضيت باللّه رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، قال‏:‏ فسُرِّي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين‏)‏ ‏"‏رواه الإمام أحمد‏"‏

حديث آخر‏:‏ وعن جابر، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه واللّه لو كان موسى حياُ بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ‏)‏‏"‏رواه الحافظ أبو يعلى‏"‏وفي بعض الأحاديث‏:‏ ‏(‏لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي‏)‏ فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد، لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جلّ جلاله لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الانبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به، صلوات اللّه وسلامه عليه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏83 ‏:‏ 85‏)‏

‏{‏ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ‏.‏ قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ‏.‏ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ‏}‏

يقول تعالى منكراً على من أراد ديناً سوى دين اللّه، الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله، وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له، الذي له أسلم من في السموات والأرض، أي استسلم له من فيهما طوعاً وكرهاً، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وللّه يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وللّه يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون‏}‏ فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه للّه، والكافر مستسلم للّه كرهاً، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع، وقد قال وكيع في تفسيره عن مجاهد‏:‏ ‏{‏وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً‏}‏، قال‏:‏ هو كقوله‏:‏ ‏{‏ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولون اللّه‏}‏، ‏{‏وإليه يرجعون‏}‏ أي يوم المعاد فيجازي كلاً بعمله‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل آمنا باللّه وما أنزل علينا‏}‏ يعني القرآن، ‏{‏وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب‏}‏ أي من الصحف والوحي، ‏{‏والأسباط‏}‏ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الإثني عشر، ‏{‏وما أوتي موسى وعيسى‏}‏ يعني بذلك التوراة والإنجيل، ‏{‏والنبيون من ربهم‏}‏ وهذا يعم جميع الأنبياء جملة، ‏{‏لا نفرق بين أحد منهم‏}‏ يعني بل نؤمن بجميعهم، ‏{‏ونحن له مسلمون‏}‏ فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند اللّه، وبكل نبي بعثه اللّه ‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه‏}‏ الآية‏.‏ أي من سلك طريقاً سوى ما شرعه اللّه فلن يقبل منه، ‏{‏وهو في الآخرة من الخاسرين‏}‏، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد‏)‏

 الآية رقم ‏(‏86 ‏:‏ 89‏)‏

‏{‏ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين ‏.‏ أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ‏.‏ خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون

إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ‏}‏

قال ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هل لي من توبة‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏كيف يهدي اللّه قوماً كفروا بعد إيمانهم - إلى قوله - فإن اللّه غفور رحيم‏}‏، فأرسل إليه قومه فأسلم ‏"‏رواه النسائي والحاكم وابن ماجة‏"‏‏{‏وجاءهم البينات‏}‏ أي قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية‏؟‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏واللّه لا يهدي القوم الظالمين‏}‏‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين‏}‏ أي يلعنهم اللّه ويلعنهم خلقه، ‏{‏خالدين فيها‏}‏ أي في اللعنة، ‏{‏لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون‏}‏ أي لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن اللّه غفور رحيم‏}‏ وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه، أن من تاب إليه تاب عليه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏90 ‏:‏ 91‏)‏

‏{‏ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ‏.‏ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ‏}

يبين تعالى متوعداً ومهدداً لم كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفراً أي استمر عليه إلى الممات، ومخبراً بأنهم لن تقبل لهم توبة عند الممات، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت‏}‏ الآية‏.‏ ولهذا قال ههنا‏:‏ ‏{‏لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون‏}‏ أي الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي، قال الحافظ أبو بكر البزار عن عكرمة عن ابن عباس‏:‏ أن قوماً أسلموا ثمَّ ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وإن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم‏}‏ ‏"‏أخرجه البزار، قال ابن كثير‏:‏ إسناده جيد‏"‏ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فن تُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به‏}‏، أي من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبداً، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهباً فيما يراه قربة، كما سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن عبد اللّه بن جدعان - وكان يقري الضيف ويفك العاني ويطعم الطعام - هل ينفعه ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا‏!‏ إنه لم يقل يوما من الدهر‏:‏ رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين‏)‏ وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضاً ذهباً ما قبل منه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏لا بيع فيه ولا خلال‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم‏}‏، ولو افتدى نفسه من اللّه بملء الأرض ذهباً، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها‏.‏ عن أنَس بن مالك، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به‏؟‏ قال، فيقول‏:‏ نعم، فيقول اللّه‏:‏ قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك‏)‏ ‏"‏رواه البخاري ومسلم‏"‏

طريق آخر‏:‏ وقال الإمام أحمد، عن أنَس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له‏:‏ يا ابن آدم كيف وجدت منزلك‏؟‏ فيقول‏:‏ أي رب خير منزل، فيقول‏:‏ سل وتمن، فيقول‏:‏ ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار، لما يرى من فضل الشهادة، ويؤتي بالرجل من أهل النار فيقول له‏:‏ يا ابن آدم كيف وجدت منزلك‏؟‏ فيقول‏:‏ يا رب شر منزل‏.‏ فيقول له‏:‏ أتفتدي مني بطلاع الأرض ذهباً‏؟‏ فيقول‏:‏ أي رب نعم، فيقول‏:‏ كذبت قد سألتك أقل من ذلك وايسر فلم تفعل فيرد إلى النار‏)‏ ‏"‏رواه الإمام أحمد‏"‏ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين‏}‏ أي وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب اللّه ولا يجيرهم من أليم عقابه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏92‏)‏

‏{‏ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ‏}‏

روى وكيع في تفسيره عن عمرو بن ميمون ‏{‏لن تنالوا البر‏}‏ قال‏:‏ الجنة، وقال الإمام أحمد عن أنَس بن مالك‏:‏ كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بير حاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب‏.‏ قال أنَس‏:‏ فلما نزلت‏:‏ ‏{‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏}‏ قال أبو طلحة‏:‏ يا رسول اللّه إن اللّه يقول‏:‏ ‏{‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏}‏ وإن أحب أموالي إليّ بير حاء، وإنها صدقة للّه أرجو بها برها وذخرها عند اللّه تعالى، فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين‏)‏، فقال أبو طلحة‏:‏ أفعل يا رسول اللّه‏.‏ فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ‏"‏رواه البخاري ومسلم‏"‏وفي الصحيحين أن عمر قال‏:‏ يا رسول اللّه لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أحبِسْ الأصل، وأسبِلْ الثمرة‏)‏

 الآية رقم ‏(‏93 ‏:‏ 95‏)‏

‏{‏ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ‏.‏ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ‏.‏ قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ حضرت عصابة من اليهود نبيَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا‏:‏ حدثنا عن خلالٍ نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، قال‏:‏ ‏(‏سلوني عما شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة اللّه وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني على الإسلام‏)‏، قالوا‏:‏ فذلك لك، قالوا‏:‏ أخبرنا عن أربع خلال، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه‏؟‏ وكيف ماء المرأة وماء الرجل‏؟‏ وكيف يكون الذكر منه والأنثى، وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة‏؟‏ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر للّه نذراً لئن شفاه اللّه من سقمه ليحرمنَّ أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها‏)‏‏؟‏ فقالوا‏:‏ اللهم نعم‏:‏ فقال‏:‏ ‏(‏اللهم اشهد عليهم‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهم علا كان له الولد والشبه بإذن اللّه، إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكراً بإذن اللّه، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن اللّه‏(‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏اللهم اشهد عليهم‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏وأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ اللهم نعم، قال‏:‏ ‏(‏اللهم اشهد‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏وإن وليي جبريل ولم يبعث اللّه نبياً قط إلا وهو وليه‏)‏، قالوا‏:‏ فعند ذلك نفارقك ولو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قل من كان عدواً لجبريل‏}‏ ‏"‏رواه الإمام أحمد‏"‏الآية‏.‏

وقال ابن جريج، عن ابن عباس ‏:‏ كان إسرائيل عليه السلام - وهو يعقوب - يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر للّه لئن عافاه اللّه لا يأكل عرَرْقاً، ولا يأكل ولد ما له عَرق، فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناناً به واقتداء بطريقته، وقوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن تنزل التوراة‏}‏ أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، ‏{‏قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين‏}‏ فإنها ناطقة بما قلناه، ‏{‏فمن افترى على اللّه الكذب من بعد ذلك فأولئك ثم الظالمون‏}‏ أي فمن كذب على اللّه وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائماً، وأنه لم يبعث نبياً آخر يدعوا إلى اللّه تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرنا ‏{‏فأولئك هم الظالمون‏}‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل صدق اللّه‏}‏ أي قل يا محمد صدق اللّه فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، ‏{‏فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين‏}‏ أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها اللّه في القرآن على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم* ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏96 ‏:‏ 97‏)‏

‏{‏ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين

‏.‏ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ‏}‏

يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس أي لعموم الناس، لعبادتهم ونسكهم يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده ‏{‏للذي ببكة‏}‏ يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه، ومنهجه، ويحجون إلى البيت الذي بناه عن أم اللّه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏مباركاً‏}‏ أي وضع مباركاً ‏{‏وهدى للعالمين‏}‏ عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه أي مسجد وضع أول‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏المسجد الحرام‏)‏، قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏المسجد الأقصى‏)‏، قلت‏:‏ كم بينهم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أربعون سنة‏)‏، قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد ‏"‏رواه أحمد وأخرجه الشيخان بنحوه‏"‏‏)‏ وعن علي رضي عنه في قوله تعالى‏:‏

‏{‏إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً‏}‏ قال‏:‏ كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة اللّه‏.‏ وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض، مطلقاً، والصحيح قول علي رضي اللّه عنه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏للذي ببكة‏}‏ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل‏:‏ سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها، وقيل‏:‏ لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون، قال قتادة‏:‏ إن اللّه بَكَّ به الناس جميعاً، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها، وقال شعبة عن إبراهيم‏:‏ بكة البيت والمسجد، وقال عكرمة‏:‏ البيت وما حوله بكة وما وراء ذلك مكة، وقال مقاتل بن حيان‏:‏ بكة موضع البيت وما سوى ذلك مكة، وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة مكة وبكة، والبيت العتيق والبيت الحرام، والبلد الأمين وأم القرى - والقادس لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة والحاطمة والرأس والبلدة، والبنية والكعبة ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيه آيات بينات‏}‏ دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن اللّه عظمه وشرفه ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏مقام إبراهيم‏}‏ يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقاً بجدار البيت حتى أخَّره عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن اللّه تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال‏:‏ ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادته ههنا وللّه الحمد والمنة، وقال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فيه آيات بينات مقام إبراهيم‏}‏ أي فمنهن مقام إبراهيم والمشاعر، وقال مجاهد‏:‏ أثر قدميه في المقام آية بينة، وقال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة‏:‏

وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافياَ غير ناعل

وقال ابن أبي حاتم عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مقام إبراهيم‏}‏ قال‏:‏ الحرم كله مقام إبراهيم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن دخله كان آمناً‏}‏ يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره‏:‏ كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج، وعن ابن عباس قال‏:‏ من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه، وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف‏}‏ وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك‏.‏

ففي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة‏:‏ ‏(‏لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا‏)‏، وقال يوم فتح مكة‏(‏إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة‏:‏ لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها‏)‏، فقال العباس‏:‏ يا رسول اللّه إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال‏:‏ ‏(‏إلا الإذخر‏)‏ وعن أبي شريح العدوي أنه قال‏:‏ لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة ائذن لي ايها الأمير أن أحدثك قولاً قام به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به‏:‏ إنه حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال‏:‏ ‏(‏إن مكة حرمها اللّه ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرىء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول صلى اللّه عليه وسلم فيها، فقولوا له‏:‏ إن اللّه أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الغائب‏)‏، فقيل لأبي شريح‏:‏ ما قال لك عمرو‏؟‏ قال‏:‏ أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة ‏"‏رواه الشيخان واللفظ لمسلم، والخربة‏:‏ أصلها سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة وقيل هي الفساد في الدين‏.‏ من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض‏"‏وعن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة‏)‏ ‏"‏رواه مسلم‏"‏وعن عبد اللّه بن الحمراء الزهري، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو واقف بالحرورة بسوق مكة يقول‏:‏ ‏(‏واللّه إنك لخير أرض اللّه وأحب أرض الله إلى اللّه، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة‏"‏وقال بعضهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن دخله كان آمناً‏}‏ قال‏:‏ آمناً من النار‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وللّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏}‏ هذه أول آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل بل هي قوله‏:‏ ‏{‏وأتموا الحج والعمرة للّه‏}‏ والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعاً ضرورياً، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع، لحديث أبي هريرة قال‏:‏ خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا‏)‏، فقال رجل‏:‏ أكل عام يا رسول اللّه ‏؟‏ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه‏)‏ ‏"‏رواه أحمد ومسلم‏"‏وعن ابن عباس رضي اللّه عنه قال‏:‏ خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏ايها الناس إن اللّه كتب عليكم الحج‏)‏، فقام الأقرع بن حابس فقال‏:‏ يا رسول اللّه أفي كل عام‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة‏"‏

 وأما الاستطاعة فأقسام‏:‏ تارة يكون الشخص مستطيعاً بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏ قام رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ من الحاج يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الشعث التفل‏)‏ الشعث‏:‏ مغبر الشعر متلبده‏.‏ التَّفِل ‏:‏ منتن الرائحة فقال آخر فقال‏:‏ أي الحج أفضل يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏العج والثج‏)‏ العج رفع الصوت بالتلبية، والثج‏:‏ إراقة دم الهدْي فقام آخر فقال‏:‏ ما السبيل يا رسول اللّه، قال‏:‏ ‏(‏الزاد والراحلة‏)‏ ‏"‏رواه الترمذي وابن ماجة‏"‏وعن أنَس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن قول اللّه عز وجلّ‏:‏ ‏{‏من استطاع إليه سبيلاً‏}‏ فقيل‏:‏ ما السبيل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الزاد والراحلة‏)‏ ‏"‏رواه الحاكم وقال‏:‏ صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه‏"‏وعن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏‏(‏تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له‏)‏ ‏"‏رواه الإمام أحمد‏"‏وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من أراد الحج فليتعجل‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأبو داود‏"‏وروى وكيع بن الجراح عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏من استطاع إليه سبيلا‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏الزاد والبعير‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن كفر فإن اللّه غني عن العالمين‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر واللّه غني عنه، وقال سعيد بن منصور عن عكرمة‏:‏ لما نزلت‏:‏ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه‏}‏ قالت اليهود‏:‏ فنحن مسلمون، قال اللّه عزّ وجلّ فأخصمهم فحجهم يعني، فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه فرض على المسليمن حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏)‏، فقالوا‏:‏ لم يكتب علينا، وأبو أن يحجوا، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ومن كفر فإن اللّه غني عن العالمين‏}‏ عن علي رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من ملك زاداً وراحلة ولم يحج بيت اللّه فلا يضره مات يهودياً أو نصرانياً، وذلك بأن اللّه قال‏:‏ ‏{‏وللّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا* ومن كفر فإن اللّه غني عن العالمين‏}‏‏)‏ ‏"‏رواه ابن مردويه وابن جرير‏"‏وروى الحسن البصري قال، قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏:‏ ‏"‏لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من كان عنده جَدَة أي سعة فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين ‏.‏